عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

254

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

هَزَائِمُك الغُرُّ مَشْهُورَةٌ * يُقَرْطِسُ فِيهنَّ مَنْ يَنْضِلُ « 1 » فَأنتَ لِأوَّلِهِم آخرٌ * وَأنتَ لآخِرِهِم أوَّلُ كانت هذه الأبيات كلمات مريرة تخرج من قلب الشاعر ينفثها غاضباً مبيناً مدى ظلم هذا الأمير الذي كان كالسيف الذي سلِّط على الناس ظلماً وفساداً ، إذ جعل الشاعر من سمّ الأفاعي شراباً مستساغاً في فم المطلب ، كما أنّه يشير إلى سخف ما يقوم به هذا الأمير من تعيينات ، ويرى أنّه لن يستطيع أن يحطّ من مكانة من يستحقّ الرِّفْعة وإن أبعده وأقصاه ، ولن يرفع الوضيع وإنْ قرّبه وأصبح من رجاله . ونرى الشاعر قد كشف عن جبن المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي وجعل حظّ جنوده القتل بسبب إمارته عليهم ، وحظّ أعدائهم حمل السيف ، ثمّ جعل شعاره في معركة الحرب الفرار ، ولهذا تجده آخر من يواجه وأول من يفرّ من المعركة . ويلاحظ سهولة هذا النوع من الهجو ، فلا نجد صعوبة في الوصول إلى معاني الشاعر ومراميه ، فنشعر كأنّ أبياته تتدفق على السجية دون التواء أو إمعان ، ولعلّ هذا يعكس صورته النفسية المليئة بالكره والحزن ضدّ أعدائه ، فتظهر مشاعره دون إعمال للذهن ودون مواربة . فهو كما نرى هجاء صعب لا يقتصر الشاعر فيه على الشتيمة ولكنه يصوّر مواقف مخزية تظل قائمة في أسماع الناس ومنشورة على ألسنة الرواة . بعد أن غادر دعبل أسوان تناقلت الأنباء عزل المطلب وهزيمته أمام جيوش منافسه السريّ بن الحكم « 2 » مولى بني ضبّة وقد هرب المطلب على أثرها إلى مكة حاجاً فصوّر الشاعر هزيمته بأسلوب لاذع قائلًا : « 3 » أَمُطَّلِبٌ دَعْ دَعَاوِي الْكمَاةِ * فَتِلْك نَحِيزَةُ لَا رُتْبَهْ « 4 »

--> ( 1 ) - قرطس : أصاب الهدف . ينضل : يسبق في النضال . ( 2 ) - السرى بن الحكم بن يوسف البلخي ( مولى بني ضبة ) من ولاة العصر الذين أقاموا لأنفسهم في مصر سلطاناً شبه الملك ، ولي مصر بعد عزل المطلب ( ابن تغري بردي 2 : 163 ) . ( 3 ) - السابق ، ص 109 . ( 4 ) - الكماة : ج الكامي ، وهو الذي يستر نفسه بالدرع والبيضة . النّحيزة : الطبيعة .